محمد بن جرير الطبري

198

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

ودرس . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون ) * . يقول تعالى ذكره : ويحلف بالله لكم أيها المؤمنون هؤلاء المنافقون كذبا وباطلا خوفا منكم ، إنهم لمنكم في الدين والملة . يقول الله تعالى مكذبا لهم : وما هم منكم أي ليسوا من أهل دينكم وملتكم ، بل هم أهل شك ونفاق . ولكنهم قوم يفرقون يقول : ولكنهم قوم يخافونكم ، فهم خوفا منكم يقولون بألسنتهم : إنا منكم ، ليأمنوا فيكم فلا يقتلوا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( لو يجدون ملجئا أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون ) * . يقول تعالى ذكره : لو يجد هؤلاء المنافقون ملجأ ، يقول : عصرا يعتصرون به من حصن ، ومعقلا يعتقلون فيه منكم ، أو مغارات وهي الغيران في الجبال ، واحدتها : مغارة ، وهي مفعلة من غار الرجل في الشئ يغور فيه إذا دخل ، ومنه قيل : غارت العين : إذا دخلت في الحدقة . أو مدخلا يقول : سربا في الأرض يدخلون فيه ، وقال : أو مدخلا . . . الآية ، لأنه من ادخل يدخل . وقوله : لولوا إليه يقول : لأدبروا إليه هربا منكم . وهم يجمحون يقول : وهم يسرعون في مشيهم . وقيل : إن الجماح مشى بين المشيين ومنه قول مهلهل : لقد جمحت جماحا في دمائهم * حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا وإنما وصفهم الله بما وصفهم به من هذه الصفة ، لأنهم إنما أقاموا بين أظهر أصحاب رسول الله ( ص ) على كفرهم ونفاقهم وعداوتهم لهم ، ولما هم عليه من الايمان بالله وبرسوله لأنهم كانوا في قومهم وعشيرتهم وفي دورهم وأموالهم ، فلم يقدروا على ترك